الشنقيطي
411
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومراد أبي قلابة واضح ، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه ! هذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود بالقسامة ، وهذه حججهم . قال مقيده عفا اللّه عنه : أظهر الأقوال عندي دليلا - القود بالقسامة ؛ لأن الرواية الصحيحة التي قدمنا فيها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم » وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى . ولم يثبت ما يعارض هذا . والقسامة أصل وردت به السنة ، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع ؛ كما ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفا . لأن القسامة أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه ؛ شرع لحياة الناس وردع المعتدين ، ولم تمكن فيه أولياء المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ذلك . تنبيه اعلم - أن رواية سعيد بن عبيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة التي فيها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « لما سأل أولياء المقتول هل لهم بينة » وأخبروه بأنهم ليس لهم بينة قال : « يحلفون » يعني اليهود المدعى عليهم ، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلا - لا دليل فيها لمن نفى القود بالقسامة ؛ لأن سعيد بن عبيد وهم فيها ، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين ؛ لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين . ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار فذكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عرض الأيمان أولا على أولياء المقتول ، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم ؛ فاشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها . وقد ذكر البخاري رحمه اللّه رواية سعيد بن عبيد ( في باب القسامة ) « 1 » ، وذكر رواية يحيى بن سعيد ( في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين . . . الخ ) وفيها : « تحلفون وتستحقون قاتلكم » أو صاحبكم الحديث « 2 » . والخطاب في قوله « تحلفون وتستحقون ، لأولياء المقتول » . وجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد بن عبيد - ابن حجر في الفتح وغير واحد ؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ لم يعارضها غيرها فيجب قبولها ؛ كما هو مقرر في علم الحديث وعلم الأصول . وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها [ البقرة : 73 ] الآية : وقد أسند حديث سهل أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بدأ المدعين : يحيى بن سعيد ، وابن عيينة ،
--> ( 1 ) أخرجه عن سهل بن أبي حثمة البخاري في الديات حديث 6898 . ( 2 ) أخرجه عن سهل بن أبي حثمة البخاري في الجزية 3173 .